بقلم/ نور جمال
أولاً: من أين جاء شكوكو؟
في قلب حي الجمالية العريق، ذلك الحي القاهري الذي أنجب على مر السنين عدداً من أبرز رموز الثقافة والفن المصري، وُلد محمود شكوكو وترعرع بين أزقته وشوارعه الضيقة. لم تكن البداية فنية بالمعنى المعروف، فقد نشأ في كنف والده النجار، وتعلم على يديه حرفة النجارة منذ صغره. وهو ما ظل يفتخر به طوال حياته حتى بعد أن طالت شهرته الآفاق، إذ كان يرى في العمل اليدوي قيمة إنسانية راسخة لا تقل أهمية عن أي عمل فني.
لكن الموهبة كانت تختمر في داخله بهدوء. في الأفراح الشعبية التي كانت تُقام بين بيوت الجمالية، كان الشاب محمود يقف أمام الجموع ليقلد الفنانين ويلقي المونولوجات بأسلوب فطري تلقائي لا يمكن اكتسابه في أي معهد أو مدرسة. ضحكات الجمهور وتصفيقهم كانا أول “نقد فني” تلقاه، وكانا كافيين ليقرر أن هذا هو طريقه.

ثانياً: الانطلاقة الحقيقية
جاءت الفرصة الأولى حين انضم شكوكو إلى فرقة الفنان الكبير علي الكسار المسرحية، تلك الفرقة التي كانت تُعدّ من أبرز الفرق الكوميدية في مصر في تلك الحقبة. لم يكن دوره في البداية دوراً محورياً، بل كان يقدم المونولوجات في الفترات الفاصلة بين فصول المسرحيات، تلك الفقرات التي كان كثير من الفنانين يعتبرونها ثانوية. لكن شكوكو حوّلها إلى لحظات لا تُنسى، وصار الجمهور في بعض الأحيان يحضر العرض من أجلها هي تحديداً.
وكانت السينما تنتظره. اكتشفه المخرج الكبير نيازي مصطفى، أحد رواد السينما المصرية، وقدمه للشاشة الكبيرة في فيلم “حسن وحسن”، الذي كان بمثابة البوابة الذهبية لدخوله عالم النجومية السينمائية. شاهد المصريون على الشاشة ذلك الوجه الشعبي البسيط بجلبابه وطرطوره، فأحبوه فوراً وكأنهم كانوا يعرفونه من قبل.
ثالثاً: البصمة التي لا تُمحى
ما يميز شكوكو عن غيره من فناني جيله أنه لم يسعَ يوماً لأن يبدو “راقياً” أو “أرستقراطياً” على خشبة المسرح أو أمام الكاميرا. اختار بوعي كامل أن يبقى ابن الشارع، يرتدي الجلباب والطرطور الذي أصبح علامته المسجلة في وجدان الناس، ويتحدث بلغتهم ويعبر عن همومهم وأفراحهم بأسلوب فكاهي لا يخلو من العمق والحكمة.
هذا الاختيار الواعي جعله ظاهرة شعبية حقيقية لا مجرد فنان مشهور. فقد صُنع له تمثال لعبة للأطفال، وهو أمر نادر جداً في تاريخ الفن العربي، بل إن هذه اللعبة كانت تُباع في شوارع القاهرة مقابل زجاجات فارغة، مما يعكس بجلاء مدى اختراقه لوجدان الطبقات الشعبية والأطفال على حد سواء. لم يكن شكوكو مجرد فنان يُشاهَد على الشاشة، بل كان حاضراً في البيوت والأزقة والأسواق.
رابعاً: الأعمال الخالدة
قدم شكوكو خلال مسيرته الفنية الحافلة عدداً من الأعمال المسرحية التي رسخت مكانته كأيقونة حقيقية. كانت مسرحية “السندباد البلدي” من أبرز تلك الأعمال، إذ استطاع فيها أن يأخذ شخصية السندباد الأسطورية العالمية ويُلبسها ثوباً شعبياً مصرياً خالصاً، في تجربة دمجت بين التراث العالمي والهوية المحلية بأسلوب طريف ومبتكر. وكذلك مسرحية “الكونت دي مونت شكوكو”، التي استوحى عنوانها من الرواية العالمية الشهيرة “الكونت دي مونت كريستو”، ليضع اسمه هو بديلاً عنها في إشارة ذكية وفكاهية تعكس ثقته بنفسه وقدرته على المزج بين الثقافة الرفيعة والفن الشعبي.

خامساً: تعاون مع العمالقة
لم تكن عبقرية شكوكو منفصلة عن المنظومة الفنية الكبيرة التي عاش في كنفها. تعاون مع محمود الشريف، الملحن الكبير الذي وضع موسيقى وألحاناً لكثير من مونولوجاته، فأضافت الموسيقى لكلماته الفكاهية بُعداً وجدانياً جعلها تسكن في الذاكرة طويلاً. كما تعاون مع الموسيقار سيد مكاوي، الذي فهم روح شكوكو وأعطاه ألحاناً تناسب تماماً أسلوبه الشعبي التلقائي.
أما على صعيد الإخراج المسرحي، فقد تعاون مع صلاح السقا، الرائد الكبير في مجال مسرح العرائس المصري، في تجربة أثبتت أن موهبة شكوكو لم تكن محدودة بقالب واحد، بل كانت قادرة على التكيف والإبداع في فضاءات فنية متنوعة.
سادساً: لماذا بقي شكوكو خالداً؟
السؤال الحقيقي ليس كيف نجح شكوكو، بل لماذا بقي حاضراً في الوجدان المصري حتى اليوم بعد عقود من رحيله. الإجابة تكمن في أنه لم يكن يؤدي دوراً، بل كان يكون نفسه أمام الجمهور. تلك البساطة التلقائية التي لا يمكن تزويرها هي التي أوصلته إلى قلوب الناس مباشرة، متجاوزاً كل الحواجز الاجتماعية والثقافية.
لقد استطاع شكوكو أن يحوّل المونولوج من مجرد فقرة فكاهية عابرة تُملأ بها الفراغات بين فصول المسرحيات، إلى فن شعبي متكامل له رسالته الإنسانية ولغته الخاصة وجمهوره الوفي. وهو بذلك لم يكن مجرد فنان مضحك، بل كان مرآة صادقة عكست روح الإنسان المصري البسيط بكل ما فيها من فرح وحزن وحكمة وسخرية.
في ذكرى ميلاده، يبقى محمود شكوكو درساً حياً في أن الأصالة والصدق هما أقصر الطرق إلى قلب الجمهور وأطولها بقاءً في الذاكرة.


