بقلم/ جاسيكا عزت
حصان طروادة في مخيلة كريستوفر نولان ليس ذاك النصب الخشبي العملاق الذي يقف شامخاً ومتبختراً على سواحل طروادة ليجسد نصر الإغريق؛ الحصان هنا يغرق.
نصفه مغمور في مياه البحر المالح، يرتطم بالأمواج العاتية كأنه خطيئة بشرية أو قربان منسي تطالب به الآلهة الغاضبة.
في داخله، يلتصق جنود قذرون، يملأ الرعب قلوبهم، يتنفسون عبر قصبات رفيعة والماء يرتفع تدريجياً لخنقم، ينتظرون في صمت مطبق أن يقوم الطرواديون بسحب هذا الهيكل البائس عبر أسوار مدينتهم المنيعة.

هذه الصورة السينمائية الصادمة، المليئة بالتوتر الوجودي، تلخص فلسفة نولان؛ المخرج الذي حوّل السينما التجارية في القرن الحادي والعشرين إلى ساحة للفلسفة الفنية والتشريح النفسي.
في مكاتب شركة إنتاجه “سينكوبي”، الهادئة والمضاءة بنور النهار، يجلس نولان مرتشفاً شاي “إيرل غراي” من إبريق مغطى بغطاء قماشي ذي نقوش هندسية.
يقول وعيناه تلمعان بذكاء حاد:
“لو كان الحصان يغرق في الرمال وعلى وشك أن تجرفه الأمواج، فلن يصدق الطرواديون أبداً أنه يمكن أن يكون هناك أي شخص بداخله.
كانوا سينقذون هذا الشيء من بين الأمواج ويسحبونه إلى المدينة كغنيمة حرب ملحمية.. لن يكون على عجلات كأنه حذاء تزلج!”
هذا الحصان الغارق لم يولد من أجل فيلمه الجديد “الأوديسة” المقرر عرضه في 17 يوليو، بل كان فكرة تطارده منذ أكثر من عشرين عاماً، وتحديداً في 2004 عندما كان مرشحاً لإخراج فيلم “طروادة” المبني على ملحمة هوميروس الأولى “الإلياذة”.
أُغلق ذلك الباب، لكن الرؤية لم تمت؛ حملها نولان معه في زوايا عقله المظلمة، سافر بها عبر شوارع غوثام الكئيبة، وقذف بها إلى ما وراء الثقوب السوداء في الفضاء الخارجي، وعاش بها في مختبرات “لوس ألاموس” حيث فجر القنبلة الذرية مع “أوبنهايمر”.
بعد أن حصد “أوبنهايمر” سبع جوائز أوسكار واقترب من المليار دولار، امتلك نولان النفوذ المطلق في هوليوود، أو كما يقول: “هذا النجاح منحني خيارات.. وما لم يتم فعله حقاً في تاريخ السينما هو تقديم معالجة بصرية لملحمة الأوديسة بكامل إمكانيات الإنتاج الضخم لاستوديوهات هوليوود.

بأثر رجعي، تبدو “الأوديسة” المعمل المثالي لأدوات نولان؛ الملحمة التي كتبت في القرن الثامن قبل الميلاد لا تتحدث فقط عن وحوش خرافية، بل هي التجسيد الأول في التاريخ الإنساني لمفهوم “التيه”، وتفتيت الزمن، والعودة المستحيلة إلى الوطن.
أوديسيوس ليس مجرد بطل حربي؛ إنه رجل يحاول الهروب من لعنة الزمن والذاكرة، وهو ما يتقاطع بدقة مع تيمات نولان الأثيرة في أفلامه السابقة.
الفيلم، الذي يعد أول عمل روائي طويل يتم تصويره بالكامل بكاميرات “آيماكس” 65 ملم، يبتعد تماماً عن نمطية أفلام الهواة الرقمية والمؤثرات البصرية المصنوعة بالكمبيوتر.
فضّل نولان الطابع الواقعي الخشن؛ بدلاً من شاشات الكروما الخضراء، تم تقييد مات ديمون (الذي يلعب دور أوديسيوس) بسارية سفينة حقيقية تصارع أمواج البحر الأبيض المتوسط.

لكن الإثارة هنا ليست بصرية فحسب؛ في المعالجة الهوميروسية لنولان، عندما يمر أوديسيوس بحوريات البحر (السيرينات)، لا تكتفي الحوريات بالغناء لإغوائه، بل يقمن “بتحليله نفسياً” عبر الموسيقى والغناء، ليواجه البطل أزمة وجودية حادة على الصاري.
يقول مات ديمون عن هذه التجربة:
“السيناريو كان محدداً وصارماً للغاية. نولان مخلص لنص هوميروس، لأنك ببساطة لا يمكن أن تعيد كتابة هوميروس..
لكنه ركّز على جوانب موضوعية ونفسية مثيرة للاهتمام. أفلام بهذا الحجم والجرأة لم تعد تصنع الآن.. أن تفعل هذا بدون شاشة خضراء، بالطريقة التي كان يعمل بها المخرج الأسطوري ديفيد لين في فيلم لورنس العرب، هو ضرب من الجنون المحبب”.
حرب طروادة في الفيلم ليست مجرد قتال بالسيوف، بل هي إعلان رسمي عن “نهاية العصر البرونزي”، حيث تقف اليونان على حافة الانهيار والسقوط في عصور مظلمة من الأمية والجهل والممالك الممزقة.

تظهر هذه الرؤية التحليلية المعقدة في طريقة تعامله مع الشخصيات:
* الكلب “أرغوس”: الكلب الوفي لأوديسيوس، تم ترفيع دوره من مجرد ظهور عابر في النص الأصلي إلى دور ثانٍ محوري يعكس ثيمة الوفاء والانتظار المرير.
* تليماخوس (توم هولاند): يمنحه الفيلم مساحة أوسع مع والده، ليرصد عبء الابن الذي ينمو تحت ظلال أسطورة أب لا يتذكره، في إسقاط ذكي على أزمات الأجيال.
* الساحرة “سيرسي” (سامانثا مورتون): تم تفكيك صورتها النمطية كشريرة مطلقة، لتقدم مورتون أداءً إنسانياً معقداً، يمزج بين الرعب والتعاطف.
* هيلين ومينيلوس: لم الشمل بين الملك مينيلوس (جون بيرنثال) وزوجته هيلين (لوبيتا نيونغو) – التي ليمت على إشعال الحرب – كان ناعماً في القصيدة، لكن نولان يعقده سياسياً ونفسياً.
وفي التواء درامي عبقري، تؤدي نيونغو أيضاً دور شقيقتها “كليتمنسترا”، التي انتهى زواجها من أجاممنون (بيني سافدي) بمأساة دموية مرعبة.

يثبت كريستوفر نولان في “الأوديسة” أن السينما، مهما بلغت ضخامتها التقنية وإنتاجها الملياري، تظل في جوهرها محاولة بشرية يائسة لفك شفرة النفس الإنسانية؛ تماماً كحصان طروادة الغارق، عرض بصري مذهل من الخارج، لكنه يحمل في أحشائه صرخات ومخاوف كائنات تبحث عن طريق للعودة إلى الديار.

