بقلم/ نور جمال
وافق أمس، 29 أبريل، الاحتفال باليوم العالمي للرقص؛ وهي المناسبة التي أقرها المعهد الدولي للمسرح التابع لليونسكو تخليداً لذكرى ميلاد “جان جورج نوفير”. وبينما تضاء أنوار المسارح في باريس وموسكو، يعود صدى الإيقاع الأول إلى مهد الحضارة؛ حيث كانت مصر هي المحطة الأولى التي قننت حركة الجسد، وحولتها من مجرد إيماءات عفوية إلى فن فلسفي وتعبيري متكامل، يجمع بين قدسية الروح ورشاقة البدن.

الأصل فرعوني.. عندما كان الرقص عبادة..
لا يمكن الحديث عن الرقص كفن دون العودة إلى جذوره المصرية القديمة؛ فالمصري القديم لم يرقص للترفيه فحسب، بل كان الرقص جزءاً أصيلاً من الطقوس الدينية والجنائزية. وتكشف النقوش التي تزين جدران معابد “كوم أمبو” و”سقارة” عن دقة مذهلة في تصميم الحركات، مما يؤكد أن هذا الفن هو “صناعة مصرية” خالصة انتقلت كأثر ثقافي وبصمة تاريخية إلى كافة الشعوب المجاورة في حوض البحر المتوسط، لتصبح مصر هي المصدر الأول لإيقاعات العالم.
لغة البيوت.. الفن الذي يولد في “حضن العائلة”
وقبل أن يكون الرقص مهنة أو استعراضاً على المسارح، فهو في مصر “لغة فطرية” تولد داخل بيوت المصريات قبل أي تدريب أكاديمي. فالرقص هو وسيلة التعبير الأولى التي تتقنها الفتيات بتفاوت أساليبهن؛ فهو ضيف أساسي في كل مناسبة سعيدة، من “ليلة الحنة” التي تفيض بالبهجة، إلى حفلات الزفاف التي لا تكتمل إلا بـ “حلقة الرقص” التي تجمع الجدات بالحفيدات. بل إن الرقص في حياة المصريات يتجاوز الفرح؛ فهو أحياناً وسيلة للمقاومة والتهوين، حيث تلجأ إليه الفتيات في أوقات الشجن لتفريغ الطاقات السلبية ومواساة بعضهن البعض، ليتحول من مجرد حركة إلى “علاج نفسي” فطري يتوارثنه عبر الأجيال كجزء لا يتجزأ من تكوينهن الشخصي.

نظرة المستعمر.. الرقص كسلاح للمقاومة وتشويه الاحتلال
خلال فترة الاحتلال البريطاني لمصر، اختلفت نظرة “المستعمر” للرقص المصري عما كان عليه في العصور السابقة؛ فقد حاول المحتل تصوير هذا الفن في قوالب ضيقة تخدم صورته النمطية عن الشرق، سعياً منه لتجريد الرقص من قيمته الفنية والثقافية وتحويله إلى مجرد وسيلة للترفيه في الملاهي الليلية التي كان يرتادها جنود الاحتلال.
إلا أن الفن المصري كان بالمرصاد؛ ففي تلك الفترة، تحولت ساحات الرقص الشعبي في الأحياء الوطنية إلى “منصات للمقاومة” غير المباشرة، تحمل رسائل صمود وتأكيد على الهوية المصرية في وجه محاولات التغريب، مما دفع المبدعين لاحقاً لتقديم هذا الفن في إطار مؤسسي يعيده إلى مكانته كفن استعراضي راقٍ يليق بتاريخ مصر.

خريطة الإيقاع المصري.. من الإسكندرية إلى أسوان
تتمتع كل محافظة مصرية بـ “نوتة” موسيقية وحركية تميزها، مما يجعل مصر لوحة فنية متنوعة:
الإسكندرية: حيث يظهر “الرقص السكندري” بملاءته اللف وقوته التي تعكس طبيعة البحر وجدعنة أهله.
مدن القناة: التي تشتهر برقصة “البمبوطية” المعتمدة على إيقاع السمسمية السريع، والتي تحاكي حركة الصيادين.
الدلتا والريف: حيث “الرقص الفلاحي” الذي يتميز بالرصانة والارتباط بالأرض والحصاد.
مطروح والواحات: حيث الرقص البدوي الذي يعتمد على تصفيق الكفوف المتناغمة مع رمال الصحراء.
صعيد مصر: مهد “التحطيب” و”الرقص بالعصا”، وهو رقص القوة والفروسية الذي يجمع بين الهيبة والإيقاع الموثق علىةالمعابد الفرعونيه.
الأقصر وأسوان: حيث “الرقص النوبي” الساحر؛ الذي يعتمد على الجماعية والبهجة، والحركات التي تحاكي جريان النيل وروح الروح المصريه.
فرقة رضا.. عندما أصبحت الهوية فناً عالمياً
وفي العصر الحديث، تحول هذا التنوع لعمل أكاديمي بفضل “فرقة رضا للفنون الشعبية” التي تأسست عام 1959 على يد الأسطورة “محمود رضا” والمبدعة “فريدة فهمي”. لم تكن مجرد فرقة استعراضية، بل كانت مشروعاً قومياً جاب نجوع مصر لتوثيق حركات الفلاحين والصيادين، وتقديمها في تابلوهات راقية على أكبر مسارح العالم مثل “أوليمبيا” في باريس، مما جعل “مدرسة رضا” مرجعاً عالمياً يدرسه الأجانب في اليابان وأوروبا وأمريكا حتى يومنا هذا، حيث تنظم مهرجانات دولية (مثل “أهلاً يا ليلى”) تجذب آلاف الراقصات من روسيا والبرازيل لتعلم الروح المصرية التي لا تضاهى.

الرقص في ميزان علم النفس والرياضة.
ويؤكد خبراء علم النفس أن الرقص المصري يتميز بكونه “رقصاً تصالحياً” (Dance Movement Therapy)؛ فهو يعتمد على الارتجال المرتبط بالمشاعر اللحظية، مما يساعد على تفريغ الطاقة السلبية وتحقيق التوازن النفسي. أما رياضياً، فيعتبر من أذكى التمارين كونه يعتمد على “عزل العضلات” (Isolation)، مما يحسن مرونة العمود الفقري، وينظم ضربات القلب، ويزيد من التركيز الذهني نتيجة التوافق الحركي المعقد.
في أعقاب يومه العالمي، يظل الرقص في مصر شاهداً على عبقرية المكان والإنسان؛ فهو لم يكن يوماً مجرد حركة، بل هو هوية وجسر ممتد من نقوش المعابد القديمة و”قعدات البيوت” المصرية، إلى أضواء المسارح العالمية. إنها اللغة الإنسانية التي صدرتها مصر للعالم، لتظل دائماً هي “الأصل” والمنبع.


