حين تلتقي الكيمياء بالجريمة: قراءة سيميولوجية في شخصيات “هي كيميا” و”بريكينج باد”
صوره مستر وايت

حين تلتقي الكيمياء بالجريمة: قراءة سيميولوجية في شخصيات “هي كيميا” و”بريكينج باد”

بقلم/ نور جمال


لا يبدو التشابه بين مسلسل “بريكينج باد” الأمريكي الأسطوري ومسلسل “هي كيميا” المصري الكوميدي مصادفةً بريئة، بل هو تقاطع درامي عميق في بنية الشخصيات وأدوارها الرمزية، وإن اختلفت الأغلفة الجمالية والأجواء السردية اختلافًا جذريًا بين العملين. فبينما يغرق “بريكينج باد” في السواد والمأساة ويتحول إلى ملحمة جريمة مروّعة، يرتدي “هي كيميا” عباءة الكوميديا الخفيفة ويداري حِدّته الدرامية بضحكة اجتماعية ساخرة.

غير أن البنية السيميولوجية الجوهرية أي منظومة العلامات والرموز التي تتشكّل منها الشخصيات تكشف عن تشابه لافت يستحق الوقوف عنده بعين ناقدة.


سلطان وولتر وايت: الرجل النظيف في مواجهة العالم القذر
في صميم العملين تسكن شخصية الرجل المستقيم الذي تدفعه قوى خارج إرادته نحو مجال الجريمة. ولتر وايت في “بريكينج باد” كيميائي موهوب يرزح تحت عبء مرضه وفشله المهني، فيقرر اقتحام عالم المخدرات بعقله العلمي.

وسلطان في “هي كيميا” كيميائي يعمل في شركة مياه وحياته بسيطة هادئة، تنهار بين ليلة وضحاها بعد وفاة والده واكتشاف أخيه الغامض الذي يعمل في تجارة المخدرات.


التشابه السيميولوجي هنا ليس مصادفة لفظية في لقب “الكيميائي”، بل هو تشابه في الدلالة الرمزية للشخصية: كلاهما يمثّل علامةً على النقاء الأخلاقي المهدَّد، وكلاهما يقف على عتبة العالمَين عالم القانون وعالم الجريمة بقدم متردّدة.

الفارق الجوهري هو أن ولتر يختار الاقتحام طوعًا ويتحوّل إلى وحش بإرادته، بينما سلطان يُجرّ إلى هذا العالم رغمًا عنه ويسعى طوال الوقت للهروب منه، مما يمنح “هي كيميا” طابعه الكوميدي في مقابل التراجيديا الأمريكية.


حجاج وجيسي بينكمان: الشريك الفوضوي القادم من الهامش
إذا كان سلطان هو النقيض المتردّد، فإن الذي يؤدي هو الشخصية الفوضوية القادمة من عالم الجريمة بلا تعقيد ولا تردّد. وهنا يبرز الخط السيميولوجي الأكثر وضوحًا بينه وبين جيسي بينكمان في “بريكينج باد”. كلاهما يعيش في الهامش الاجتماعي، مورّط في تجارة المخدرات، لكنه يحمل في داخله إنسانية خام تجعله أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه. جيسي كان مدمنًا ومصطدمًا بالحياة لكنه يحمل ضميرًا نابضًا بالألم.

وحجاج بحياته المزدوجة وزوجتَيه وتبعيته لتاجر المخدرات مغازي ليس مجرد شرير مسطّح، بل هو خليط من الضعف والنعومة الإنسانية.
الفارق أن علاقة جيسي بولتر هي علاقة تعلّم وتدمير متبادل تمتد على خمسة مواسم، في حين أن علاقة حجاج بسلطان هي علاقة أخوّة مفاجئة تُبنى على الصدمة والمفارقة الكوميدية في خمس عشرة حلقة. لكن الوظيفة الرمزية للشخصيتين واحدة: هما البوابة التي يدخل منها البطل النظيف إلى العالم المُلوَّث.

مغازي وغوس فرينج: الشرير الرزين في القمة
سيد رجب في دور مغازي تاجر المخدرات الذي يُدير خيوط اللعبة من بعيد يحمل سيميولوجيًا نفس الحضور الذي يمثّله غوس فرينج في “بريكينج باد”. كلاهما رجل قوة صامت، يحكم بالهيمنة لا بالضجيج، ويُشكّل الخطر الحقيقي الكامن خلف كل الأحداث.

غوس فرينج كان يرتدي قناع رجل الأعمال المحترم ويخفي وراءه إمبراطورية إجرامية، ومغازي بدوره هو الظل الذي تخضع له حياة حجاج بالكامل، وتنعكس تبعات هذا الخضوع على سلطان المسكين.


كوثر وسكايلر : المرأتان في محور الصراع
كوثر زوجة تاجر المخدرات تُجسّد سيميولوجيًا شخصية المرأة التي تُشكّل بؤرة القوة الخفية في العلاقات المعقّدة، وهو دور يُذكّر جزئيًا بشخصية سكايلر وايت في “بريكينج باد”، المرأة المورّطة رغم إرادتها في مملكة الجريمة.

كوثر التي تجسّدها مريم الجندي تمثّل بدورها العالمَ الطبيعي والحياة التي يريد سلطان الحفاظ عليها، كما كانت سكايلر وأطفالها يمثّلون للمشاهد الذريعةَ الأولى التي دفعت ولتر لكل شيء.


التراجيديا في مواجهة الكوميديا
ما يجعل “هي كيميا” تجربة مختلفة في جوهرها رغم التشابه البنيوي هو أن الكاتب مهاب طارق والمخرج إسلام خيري اختارا تحويل المعادلة الدرامية من حكاية تدمير الذات إلى حكاية البقاء الكوميدي.

سلطان لا يتحوّل إلى وحش؛ هو يتعلّم كيف ينجو. والجريمة هنا ليست مسرحًا للطموح المظلم، بل هي فخّ اجتماعي تسقط فيه حياة عادية بسبب نسب الدم وتقلّبات القدر.
هذا الاختيار الجمالي يجعل “هي كيميا” أقرب إلى الروح المصرية في معالجة الواقع بالضحكة، بينما “بريكينج باد” أقرب إلى الروح الأمريكية في تشريح الطموح المنفلت.

غير أن كلا العملين يستندان إلى بنية رمزية واحدة: الكيمياء استعارةً للتحوّل تحوّل الإنسان، تحوّل العلاقات، وتحوّل الحياة من معادلة بسيطة إلى عالم لا يمكن التنبؤ بنتائجه.


في النهاية، يثبت “هي كيميا” أن الدراما الإنسانية في جوهرها تعبر الحدود الجغرافية والثقافية، وأن الصراع بين النقاء والفساد، بين الأخوّة والخيانة، وبين الحياة البسيطة والعالم المعقّد، هو حكاية تتشكّل في أبوظبي وبالكيرك وفي حواري مصر على حدٍّ سواء.

تعليقات

لا تعليقات حتى الآن. لماذا لا تبدأ النقاش؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *