بقلم/ نور جمال
أقرّت المملكة المتحدة رسمياً قانون “التبغ والسجائر الإلكترونية لعام 2026″، وهو تشريع تاريخي يهدف إلى خلق أول جيل بريطاني خالٍ من التدخين بالكامل. يستهدف القانون بشكل مباشر كل من وُلد في الأول من يناير 2009 أو بعده، إذ سيُحظر بيع أي منتجات تبغ لهذه الفئة طوال حياتها، بصرف النظر عن السن الذي يبلغونه مستقبلاً.
من الفكرة إلى القانون.. مسيرة تشريعية طويلة
لم يكن هذا القانون وليد اللحظة، بل مرّ بمراحل تشريعية متعددة قبل أن يُصبح نافذاً. أعلن رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك عن هذه الفكرة لأول مرة في أكتوبر 2023، ثم تقدّمت الحكومة بمشروع القانون رسمياً في نوفمبر 2024، وأقرّه مجلس العموم في مارس 2025 بأغلبية ساحقة بلغت 366 صوتاً مقابل 41 فقط. وبعد رحلة طويلة في مجلس اللوردات، نال القانون موافقة ملكية رسمية في 29 أبريل 2026، على أن تدخل قيود البيع حيز التنفيذ اعتباراً من يناير 2027.
ولا يقتصر القانون على حظر التبغ للأجيال القادمة فحسب، بل يمتد ليشمل توسيع نطاق المناطق الخالية من التدخين، وحظر السجائر الإلكترونية في السيارات بوجود أطفال، وكذلك حول المدارس والملاعب والمستشفيات، فضلاً عن منح الحكومة صلاحيات تنظيم نكهات السجائر الإلكترونية وتغليفها وطريقة عرضها، وحظر الإعلان عنها على نطاق واسع.
أرقام مثيرة للقلق.. الشباب والنيكوتين
جاء هذا القانون في سياق إحصاءات مقلقة ترصدها الجهات الصحية البريطانية بشأن إقبال الأجيال الشابة على التدخين والسجائر الإلكترونية. تُشير بيانات مسح “ASH Smokefree” لعام 2025 إلى أن 20% من الشباب بين سن 11 و17 عاماً قد جربوا السجائر الإلكترونية، فيما ارتفعت نسبة من جربوا التدخين العادي من 14% عام 2023 إلى 21% عام 2025.
والمفارقة اللافتة أن عام 2024 شهد لأول مرة في التاريخ تجاوز عدد مستخدمي السجائر الإلكترونية عدد المدخنين التقليديين بين البالغين في بريطانيا، إذ بلغ عدد من يستخدمون السجائر الإلكترونية نحو 5.4 مليون شخص، مقارنة بـ 4.9 مليون مدخن تقليدي.
أما على صعيد الفوارق بين الأجيال، فقد سجّلت الفئة العمرية الأصغر سناً بين 16 و24 عاماً انخفاضاً طفيفاً في استخدام السجائر الإلكترونية اليومي من 6.9% إلى 6.1%، بينما شهدت الفئة العمرية بين 35 و49 عاماً الارتفاع الأكبر من 6.8% إلى 9.5% وهو ما يعكس أن الكبار باتوا يلجؤون إلى الفيب كأداة للإقلاع عن التدخين التقليدي، في حين أن الشباب يتجه إليه من باب

التجريب والتأثر بالمحيط.
وتكشف الإحصاءات أيضاً أن السبب الرئيسي الذي يدفع الشباب لتجربة السجائر الإلكترونية هو “مجرد الفضول والتجربة” بنسبة 35%، يليه “الرغبة في التشبه بالمحيطين بهم” بنسبة 14%، ثم “الإعجاب بالنكهات المتنوعة” بنسبة مماثلة.
ردود الفعل.. بين المؤيد والمعارض
استقبلت المؤسسات الصحية القانون بترحيب واسع، إذ أبدى كل من منظمة “Cancer Research UK” وجمعية “Action on Smoking and Health” وعدد من كليات الأطباء الملكية دعمهم الكامل للتشريع.
في المقابل، واجه القانون انتقادات حادة من زعيم حزب “Reform UK” نايجل فاراج، الذي شبّه هذا الحظر بإجراءات أوليفر كرومويل في القرن السابع عشر، معلناً أنه سيعمل على إلغائه إذا وصل إلى السلطة.
أما على صعيد الرأي العام، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “YouGov” في فبراير ومارس 2025 أن 68% من البريطانيين يدعمون فكرة “الجيل الخالي من التدخين”، وهي نسبة ترتفع عن استطلاع أغسطس 2024 الذي أظهر تأييد 61% فقط.
ويرى المنتقدون من جهة أخرى أن القانون يطرح تساؤلات عملية معقدة، إذ سيجد المجتمع نفسه في موقف غريب حين يكون الشخص البالغ من العمر 27 عاماً ممنوعاً قانوناً من شراء السجائر، بينما يحق لمن هو أكبر منه بعام واحد فعل ذلك بحرية تامة.
في النهاية، يبقى هذا القانون علامة فارقة في تاريخ الصحة العامة البريطانية، وتجربة يراقبها العالم باهتمام بالغ لترى ما إذا كانت التشريعات الجريئة قادرة فعلاً على إنهاء عادة التدخين التي رافقت البشرية لقرون


