بقلم/ نور جمال
البداية: من عبد إلى حاكم
وُلد علي بك الكبير حوالي عام ١٧٢٨ في منطقة القفقاس، وقُدِّر له أن يصل طفلاً إلى مصر عبر طريق الرق، ليُباع في سوق القاهرة ويستقر في خدمة أحد كبار المماليك. لم يكن أحد يتصور حينئذٍ أن هذا الفتى الجلبي سيصبح يومًا سيد مصر ومحور سياستها. غير أن الطموح وحدة الذكاء والبراعة السياسية كانت تكمن فيه، فصعد في سلم البيت المملوكي حتى بلغ قمته، وتولى مشيخة البلد عام ١٧٥٧، وهو أعلى منصب يمكن أن يبلغه مملوك في مصر آنذاك ومن اهم التمثيليات الاذاعيه التى تتحدث عن سيرته هو مسلسل بأسم ام المماليك “
حقبة الحكم: مصر في عهد علي بك (١٧٦٣ – ١٧٧٢)
تمكّن علي بك من إحكام قبضته على السلطة في مصر بصورة كاملة ابتداءً من عام ١٧٦٣، إذ نجح في تصفية خصومه من البيوت المملوكية المنافسة بمهارة سياسية بارعة. وقد حمل لقب “الكبير” تقديرًا لشخصيته الاستثنائية وعلو مكانته. كانت سياسته تقوم على ركيزتين: بناء قوة عسكرية مستقلة، وتحقيق نفوذ اقتصادي يُغذّي تلك القوة.
في عام ١٧٦٩، أعلن علي بك الكبير استقلال مصر عن الدولة العثمانية، ورفض دفع الجزية السنوية إلى الباب العالي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين أصدر العملة باسمه وتوّج نفسه حاكمًا مستقلاً. كان هذا تحديًا صريحًا لسلطة السلطان العثماني، لم يجرؤ أحد قبله في مصر على الإقدام عليه بهذا الوضوح.

الحروب والتوسع: طموح يبلغ الشام والحجاز
لم يكتفِ علي بك الكبير باستقلال مصر، بل راح يرسم أحلامًا إمبراطورية أوسع. فعلى الصعيد الجنوبي، وجّه حملة عسكرية إلى الحجاز عام ١٧٧٠ أفضت إلى السيطرة على مكة المكرمة والمدينة المنورة، مما أضفى عليه هيبة دينية وسياسية بالغة. وعلى الصعيد الشمالي، أبرم تحالفًا مع علي بك الصغير، أمير عكا الشهير ظاهر العمر، وشنّ حملة عسكرية كبرى على بلاد الشام عام ١٧٧١.
دخلت جيوشه دمشق بعد انتصارات متتالية، وبات يتطلع إلى بناء كيان عربي مستقل يضم مصر والشام والحجاز، يُواجه الهيمنة العثمانية من جهة، ويُعيد للمصريين حضورهم على خريطة القوى الكبرى من جهة أخرى. وقد استعان بالأسطول الروسي في المتوسط الذي كان يخوض حربه ضد العثمانيين في تلك الحقبة، مستثمرًا التوترات الدولية في صالح مشروعه.
الخيانة: الطعنة من الظهر
في قلب الانتصارات وعلى ذروة المجد، جاءت الطعنة من حيث لم يتوقع. كان محمد بك أبو الذهب من أخلص قواد علي بك وأقربهم إليه، وقد كلّفه بقيادة الحملة العسكرية في الشام. لكن الرجل الذي أوسده الثقة خانه في أحرج اللحظات؛ إذ أجرى مفاوضات سرية مع الباب العالي العثماني، وانسحب بجيشه من الشام عام ١٧٧١ فجأة ودون مسوّغ، تاركًا المكتسبات وراءه ومفككًا التحالف الذي بناه علي بك بشق الأنفس.
ثم انقلب أبو الذهب على سيده انقلابًا كاملاً عام ١٧٧٢، وتحالف مع العثمانيين ضده. اضطر علي بك إلى مغادرة مصر والفرار إلى الشام، حيث لجأ إلى صديقه ظاهر العمر في عكا. لم يستسلم للهزيمة، فشكّل جيشًا جديدًا وعاد إلى مصر في محاولة أخيرة لاسترداد ملكه.
الوفاة: نهاية حلم لم يكتمل
التقى الجيشان في معركة الصالحية في أبريل ١٧٧٣، فمُني علي بك بهزيمة قاسية، وأُصيب بجروح بالغة. وقع أسيرًا في يد أبو الذهب الذي تظاهر بتكريمه وإحسان معاملته، غير أن الجروح كانت قد أنهكت جسده المنهك أصلاً. وفي الثامن من مايو عام ١٧٧٣، لفظ علي بك الكبير أنفاسه الأخيرة، وأُسدل الستار على أحد أشد فصول التاريخ المصري إثارة.
رحل علي بك الكبير وهو في الخامسة والأربعين تقريبًا، تاركًا وراءه ذكرى حاكم استثنائي رأى في مصر وطنًا يستحق الاستقلال في زمن كانت فيه فكرة الدولة الوطنية لا تزال في طور الميلاد. لم يُوفَّق في تحقيق حلمه، لكن تجربته ظلت إلهامًا لمن جاءوا بعده، وعلامة فارقة في مسيرة مصر نحو السيادة والاستقلال


