بقلم/ جاسيكا عزت
في يوم الأربعاء الثامن من أبريل 2026، وقفت جاسفين سانغا، البالغة من العمر 42 عامًا، أمام المحكمة الفيدرالية في لوس أنجلوس، مكبّلة الأقدام بالأصفاد، ترتدي زيّ السجن الأبيض، لتسمع الحكم الذي طال انتظاره: خمسة عشر عامًا خلف القضبان، بعد أن ثبت عليها أنها باعت الجرعة القاتلة التي أنهت حياة واحد من أحب الوجوه إلى قلوب الملايين.
تشاندلر.. الرجل الذي أضحك الدنيا وهو يبكي في الداخل
ماثيو لانغفورد بيري، المولود في 19 أغسطس 1969، اكتسب شهرته العالمية من خلال تجسيده شخصية تشاندلر بينج في المسلسل الأمريكي الأشهر “فريندز” الذي عُرض من 1994 حتى 2004. لكن ماثيو لم يكن مجرد ممثل كوميدي موهوب؛ كان يحمل في داخله ثقلًا لا يراه أحد.
تميّز أداؤه لتشاندلر بتوقيته الكوميدي الدقيق وعبارته الشهيرة “Could i be any more…” التي باتت جزءًا من الثقافة الشعبية، فضلًا عن قدرته النادرة على إضفاء عمق إنساني حقيقي على شخصية كوميدية.
لكن خلف الكاميرات، كانت حياته معركة يومية مضنية. في مذكراته كتب بيري أنه أصبح مدمنًا على الكحول في سن الرابعة عشرة، ثم وقع في فخ إدمان “فايكودين” إثر حادث تزلج على الماء عام 1997، وانتهى به الأمر إلى تناول ما يصل إلى 55 حبة مسكّنة يوميًا، وانخفض وزنه إلى 58 كيلوجرامًا.
بحلول الوقت الذي نشر فيه مذكراته، كان قد دخل إعادة التأهيل 15 مرة وخضع لـ14 عملية جراحية مرتبطة بإدمانه. ومع ذلك، ظل يقاتل ويحاول. في أحد لقاءاته قال بيري إنه يريد أن يُتذكّر لما قدّمه للآخرين لا لدور تشاندلر: “أفضل ما فيّ، دون أدنى شك، هو حين يأتيني أحدهم ويقول: لا أستطيع التوقف عن الشرب، هل تستطيع مساعدتي؟ أستطيع أن أقول نعم وأفعل ذلك”.

اليوم الأخير.. 28 أكتوبر 2023
في 28 أكتوبر 2023، عُثر على بيري متوفيًا في منزله بحي باسيفيك باليسيدس في لوس أنجلوس وعمره 54 عامًا، وأكد مكتب الطب الشرعي في مقاطعة لوس أنجلوس أن وفاته جاءت إثر جرعة زائدة عرضية من الكيتامين، المخدر المهلوس الذي اكتسب شهرة في السنوات الأخيرة كعلاج غير رسمي للاكتئاب.
كان بيري يتلقى علاجًا قانونيًا بالكيتامين لمعالجة الاكتئاب والقلق، غير أنه بدأ يطلب جرعات أكثر مما كان طبيبه يوافق عليه، فانزلق نحو الإدمان بشكل متسارع.
شبكة استغلت إدمانه من أجل المال
ما كشفه التحقيق لاحقًا كان أكثر إيلامًا من مجرد حادثة وفاة عرضية. حين رفض طبيبه الشخصي زيادة الجرعة، لجأ بيري أولًا إلى الدكتور سالفادور بلاسينسيا الذي اعترف ببيعه الكيتامين بصورة غير قانونية. ومن هناك، امتدت الشبكة لتصل إلى جاسفين سانغا.
قبل أربعة أيام فقط من وفاته، باعت سانغا 25 قنينة كيتامين لممثلي بيري بسعر ألفي دولار للقنينة في صفقة نقدية إجمالية بستة آلاف دولار، كانت تتضمن الجرعة القاتلة.
وفي اليوم الذي مات فيه بيري، حقنه مساعده الشخصي كينيث إيواماسا، الذي يقيم معه، بثلاث جرعات على الأقل من ذلك الكيتامين الذي زوّدته به سانغا.
“ملكة الكيتامين”.. من هي جاسفين سانغا؟
صوّرها المدعون العامون في وثائق المحكمة بوصفها “ملكة الكيتامين” التي أدارت شبكة مخدرات محكمة التنظيم تستهدف عملاء من النخبة في هوليوود، وتموّل بها نمط حياة مترف.
استخدمت سانغا شقتها في حي نورث هوليوود لتخزين وتوزيع المخدرات على مدار خمس سنوات، وخلال تفتيش منزلها في مارس 2024، عثرت السلطات على الكوكايين والزانكس المزيّف والميثامفيتامين وما يقارب 80 قنينة كيتامين سائل.
والأفظع من ذلك أن هذه لم تكن المرة الأولى. في عام 2019، علمت سانغا عبر رسالة نصية من شقيقة ضحية أن كيتامينها قتل عميلًا اسمه كودي ماكلوري، لكنها استمرت في تجارتها دون أي اعتبار لأرواح البشر.

لحظة الحكم.. دموع وكلمات لن تُنسى
وقفت سانغا أمام القاضية وهي ترتدي ملابس السجن البيجية وأعلنت تحملها كامل المسؤولية قائلةً: “أتحمل المسؤولية الكاملة عن أفعالي. كانت هذه خيارات مروعة أسفرت عن عواقب مأساوية”. وأضافت أنها ترتدي خزيها كالمعطف.
لكن الكلمات الأشد وطأةً كانت من عائلة بيري. قال كيث موريسون، زوج والدة بيري، موجّهًا كلامه لسانغا: “أشعر بالأسى تجاهكِ، لا أكرهكِ ولست غاضبًا منكِ. أنتِ تاجرة مخدرات. والحقيقة أنكِ زوّدتِ مدمنًا بما يحتاج”. ثم وصف غياب بيري بأنه “حزن يومي متواصل نشعر به جميعًا”.
أما زوجة والد بيري، ديبي، فنظرت مباشرةً إلى سانغا ودموعها تسبق كلماتها وقالت لها: “أنتِ من تسبّب في هذا. الألم الذي تسبّبتِ فيه لمئات بل لآلاف الأشخاص لا يمكن إصلاحه”.
وفي نهاية الجلسة، وجّهت القاضية شيريلين بيس غارنيت كلامها لعائلة الضحية قائلةً: “لا بهجة في هذه الإجراءات، لكن ربما في النهاية ستشعرون بشيء من العدالة”.
قصة الخمسة المتهمون
كشف التحقيق عن شبكة كاملة استغلت إدمان بيري:
الدكتور مارك تشافيز، الذي كان يدير عيادة كيتامين، صدر بحقه حكم بثمانية أشهر إقامة جبرية في ديسمبر 2025. والدكتور سالفادور بلاسينسيا، الذي عالج بيري قبيل وفاته، صدر بحقه حكم بالسجن سنتين ونصف في الشهر نفسه.
أما كينيث إيواماسا، المساعد الشخصي الذي كان يحقن بيري بالكيتامين، فموعد الحكم عليه في 22 أبريل، بينما يواجه إيريك فليمينج، وسيط الصفقات، الحكم في 29 أبريل ويواجه ما يصل إلى 25 عامًا.
وفي المنتصف جاء الحكم الأثقل: 15 عامًا لسانغا، التي وصفها القضاء بأنها الأكثر إجرامًا في هذه القضية.
إرثه باقٍ رغم رحيله
بعد وفاته مباشرةً، أطلقت عائلته وأصدقاؤه “مؤسسة ماثيو بيري” لمواصلة مسيرته في مساعدة المدمنين على الإقلاع، لتظل رسالته حية حتى بعد رحيله.
رحل ماثيو بيري، لكن تشاندلر بينج لن يرحل من قلوبنا. الرجل الذي علّمنا أن نضحك في مواجهة الألم، يستحق أن تكتمل قصته بعدالة حقيقية. وفي الثامن من أبريل 2026، رجع الحق ولو متأخرًا.


