بقلم/ نور جمال
في مثل هذا اليوم من عام 1987، أسدلت واحدة من أعظم أصوات القرن العشرين الستار على حياة مليئة بالمجد والألم معًا، تاركة رسالة قصيرة تختصر كل شيء: “الحياة لم تعد تُحتمل.. سامحوني.” كانت تلك آخر كلمات داليدا، النجمة التي خرجت من أزقة شبرا الشعبية لتضيء بصوتها أرجاء العالم، لكن الضوء الذي أشعلته للآخرين لم يكفِ يومًا لإنارة ظلام روحها.
من شبرا إلى باريس.. ميلاد أسطورة:
في السابع عشر من يناير 1933، وُلدت يولاندا كريستينا جيجليوتي في حي شبرا الشعبي بالقاهرة، لأبوين من أصول إيطالية هاجرا من جزيرة كالابريا في جنوب إيطاليا واستقرا في مصر. كان والدها بياترو عازفًا للكمان في أوبرا القاهرة، فنشأت يولاندا في بيت يعشق الموسيقى ويتنفسها. وقد صرّحت داليدا في مقابلاتها بأنها أخفت حبها العظيم لوالدها تحت طبقة سميكة من الكره، فقد كان عنيفًا وصارمًا مأخوذًا بمهنته، وكانت تلحق به من تمرين إلى آخر وتنتظره في الكواليس لشدة تأثرها به. فقدته وهي في الثانية عشرة من عمرها، ويقول من تابعوا حياتها أنها لم تشفَ يومًا من هذه الخسارة.

عاشت يولاندا طفولتها بين حارات شبرا تتشرب من روح المصريين دفء إنسانيتهم، وفي 1954 فازت بلقب ملكة جمال مصر الذي فتح أمامها أبواب الفن. شاركت في فيلم “سيجارة وكأس”، ثم حزمت حقيبتها عام 1955 وتوجهت إلى باريس وحيدة دون أن تنظر خلفها خوفًا من أن تضعف أمام دموع أمها.
الأصول العرقية.. مصرية بقلبها وإيطالية بدمها
داليدا كانت خليطًا نادرًا من ثقافتين؛ إيطالية الأصل بدمها، مصرية الروح بنشأتها. هذا المزيج هو ما جعل صوتها فريدًا يجمع بين حرارة الشرق وأناقة الغرب. غنّت بتسع لغات: العربية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والألمانية واليونانية والعبرية واليابانية والإنجليزية، وهو ما منحها جمهورًا عالميًا لم يحظَ به كثير من الفنانين.
باريس وبدايه الاسطوره الفنيه :
بعد عام من وصولها إلى باريس، وقّعت عقدًا مع شركة باركلي للتسجيلات وأصدرت أولى أغانيها “بامبينو” عام 1956 فحققت نجاحًا مذهلًا. ومنذ تلك اللحظة لم تتوقف عجلة النجاح؛ قدّمت أكثر من 500 أغنية بالفرنسية، وانتشرت أغانيها في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا. وكانت عام 1978 من أوائل الفنانين الذين صوّروا أغانيهم بطريقة الفيديو كليب في فرنسا. تعاونت مع كبار الفنانين العالميين من بينهم خوليو إيجلسياس وشارل أزنافور وآلان ديلون الذي غنّت معه الثنائي الشهير “كلمات، كلمات” عام 1973 والذي حقق نجاحًا دوليًا ضخمًا.

علاقتها بمصر.. الجذور التي لم تنقطع:
لم تنقطع داليدا عن مصر في قلبها وفنها. أهدت جمهورها العربي أغانيَ خالدة في مقدمتها “حلوة يا بلدي” و”أحسن ناس” و”سالمة يا سلامة” التي أُذيعت على كل محطات الراديو المصرية يوم زيارة الرئيس السادات التاريخية لإسرائيل عام 1977. وكانت تصف المصريين بـ”أحسن ناس”، وغنّت كلام صلاح جاهين: “أنا من شبرا في مصر وأولادها الطعمين، النيل بيضحك ويغني فاكرني وبيسأل عني.”
وفي عام 1986 عادت إلى مصر عودة استثنائية حين وقفت أمام كاميرا المخرج الكبير يوسف شاهين لتجسّد بطولة فيلم “اليوم السادس”، المأخوذ عن رواية أندريه شيدو. جسّدت فيه شخصية المرأة الفقيرة التي تحمل زوجها المريض بالكوليرا هربًا من الوباء في مصر عام 1947. وكان يوسف شاهين قد أُعجب بها كممثلة قبل أن يُعجب بها كمطربة. غير أن الفيلم لم يحقق النجاح التجاري المأمول، وتعرضت لانتقادات بسبب لكنتها الأجنبية في الحوار العربي، وقيل بعد وفاتها أن هذا الفشل في مصر تحديدًا كان من أسباب اكتئابها الحاد، لأنها لم تتوقع أن تخذلها الأرض التي تحمل لها كل هذا الحب.

الحياة العاطفية.. سلسلة مآسٍ لا تنتهي:
وراء بريق النجومية كانت داليدا تعيش حياة عاطفية تكاد تكون لعنة حقيقية.
بدأت القصة من شبرا ذاتها؛ فقد كانت تهرب من مراقبة والديها بالذهاب إلى الكنيسة الصغيرة، حيث كانت تنتظر فتىً من أصل إيطالي يسكن الحي اسمه أرماندو، تشابكت يداهما سرًا وهما يختلسان النظرات بحياء بين أعمدة الكنيسة. كان أرماندو أول حب في حياتها، وتشير كثير من الروايات إلى أن مقطع “أول حب كان في بلدي، مش ممكن أنساه يا بلدي” من أغنية “حلوة يا بلدي” كان يقصد به أرماندو تحديدًا.
وقبل سفرها إلى باريس، التقت على هامش تصوير أحد الأفلام بممثل شاب كان يبحث عن الشهرة مثلها، لم يكن أحد يعرفه وقتها، هو عمر الشريف. تعلّق بها وظنّ أنه على علاقة حب معها، لكنها سرعان ما بدأت تعامله ببرود حتى قررت السفر إلى فرنسا.
وفي باريس، جمعتها الصداقة ثم شيء أعمق بجارها الشاب الطموح آلان ديلون، الذي لم يكن مشهورًا بعد. كانا يتقاسمان البيضة المسلوقة تحت أسطح منازل باريس الباردة، ويدعم كل منهما الآخر في بداياتهما الصعبة. وقد اعترف ديلون بعد وفاتها بوجود علاقة عاطفية بينهما لم يكن شقيقها أورلاندو يعلم بها.
ثم جاء لوسيان موريس، المنتج الفرنسي الذي اكتشفها وتزوجته عام 1961، لكن زواجهما لم يدم سوى أشهر. وبعد انفصاله عنها أطلق النار على نفسه عام 1970 ليكون أول من يترك في قلبها جرحًا عميقًا لا يُنسى.ثم جاءت المأساة الأكبر عام 1967 مع المغني الإيطالي لويجي تينكو الذي أحبته وعزمت على الزواج منه. لكن بعد فشله في مهرجان سان ريمو أطلق الرصاص على نفسه في غرفة الفندق، وكانت داليدا أول من شاهد جثمانه، فانهارت تمامًا ودخلت في اكتئاب حاد دفعها لمحاولة الانتحار لأول مرة.وفي السبعينيات أحبّت الشاب لوتشيو الذي كان يصغرها باثني عشر عامًا، وحملت منه لكنها اضطرت للإجهاض الذي سلبها القدرة على الإنجاب إلى الأبد.
قيل لاحقًا أن حلم الأمومة المكسور كان من أبرز الأسباب التي دفعتها للانتحار، وأنها أسمت ابنها في خيالها “جوليان” وكتبت له أغنية.ثم في عام 1972 جاء ريتشارد تشانفراي الذي استمرت علاقتها به تسع سنوات، قبل أن ينتحر هو الآخر عام 1983، ليكون الرجل الرابع الذي يرحل بيده من حياتها.الأزمة النفسية.. والرحيل الأخيرفي الثالث من مايو 1987، وبينما كانت باريس تنام هادئة، اتخذت داليدا قرارها الأخير وتناولت جرعة مميتة من الحبوب المنومة في شقتها بمونمارتر. وجدوها في صباح اليوم التالي وبجانبها رسالتها الأخيرة: “الحياة لم تعد تُحتمل.. سامحوني.” رحلت وهي في الرابعة والخمسين من عمرها، ودُفنت في مقبرة مونمارتر حيث يتوافد محبوها حتى اليوم.رحلت داليدا بجسدها، لكن صوتها بقي شاهدًا على أن أعظم الأصوات لا تموت، وأن أشد القلوب كسرًا هي التي تمنح الآخرين أجمل الأغاني.


