بقلم/نور جمال
أولاً: لماذا أُنشئ هذا اليوم؟
في مايو 1991، التقى صحفيون أفارقة في ويندهوك بناميبيا وأطلقوا إعلاناً تاريخياً يدعو إلى صحافة حرة ومستقلة. استلهمت الأمم المتحدة هذا الزخم، فأقرّت الجمعية العامة في ديسمبر 1993 تخصيص الثالث من مايو يوماً عالمياً لحرية الصحافة، بناءً على توصية اليونسكو.
ومنذ ذلك الحين، يتحول هذا اليوم كل عام إلى مرآة تعكس واقع الصحافة في العالم؛ تُحيي فيه ذكرى الصحفيين الشهداء، وتطالب الحكومات بالوفاء بالتزاماتها. وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن كل الحريات تعتمد على حرية الصحافة، وبدونها لا يمكن أن تكون هناك حقوق إنسان ولا تنمية مستدامة ولا سلام.
ثانياً: القوانين الدولية التي تكفل العمل الصحفي الحر
تستند حرية الصحافة في جوهرها إلى المادة التاسعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تكفل لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير بما يشمل تلقي المعلومات ونشرها بأي وسيلة.
وتُرسّخ اتفاقية جنيف الرابعة حماية الصحفيين في مناطق النزاعات المسلحة، معتبرةً إياهم مدنيين يجب صون سلامتهم. والقانون الدولي واضح في هذا الشأن: يجب حماية الصحفيين في جميع الأوقات، وأن يكونوا قادرين على أداء عملهم دون خوف من العنف أو المضايقة أو الترهيب أو الاضطهاد.
وعلى مستوى الرقابة الدولية، تؤكد المنظمات الحقوقية أن استهداف الصحفيين سواء عبر القتل أو الاعتقال أو الإخفاء القسري يُعدّ انتهاكاً لأحكام اتفاقيات جنيف، وقد يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

ثالثاً: شهداء حرية الصحافة في مصر
في مصر، أصبحت مهنة الصحافة محفوفةً بكثير من المخاطر، ولا تتوقف هذه المخاطر عند حد الاعتقال أو السجن، بل تخطّت إلى القتل، مما وضع مصر في المرتبة الثالثة بعد سوريا والعراق من حيث عدد الصحفيين القتلى في فترة من الفترات.
في الرابع عشر من أغسطس 2013، حين فُضّ اعتصام رابعة العدوية، سقطت الصحفية حبيبة عبد العزيز المراسلة وفي اليوم ذاته لقي المصوّر الصحفي مصعب الشامي و الصحفية ميادة أشرف
رابعاً: شهداء عالميون في ذاكرة التاريخ
على الصعيد العالمي، أنشأت اليونسكو جائزة تحمل اسم الصحفي الكولومبي غييرمو كانو إيسازا، الذي اغتيل في ديسمبر 1986 أمام مقر صحيفته في بوغوتا، تكريماً للصحفيين الذين يضحون بحياتهم دفاعاً عن حرية الصحافة.
وفي أكتوبر 2018، ارتُكبت جريمة هزّت العالم حين اغتيل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول.
أما في غزة، فقد تحولت الحرب إلى فخٍّ للموت بالنسبة للعاملين في الإعلام، حيث تقول الأمم المتحدة إنها تحققت من مقتل نحو 300 صحفي في القطاع منذ أكتوبر 2023.
خامساً: تاريخ بدء الصحافة المعاصرة في مصر
مثّل ديسمبر 1828 لحظةً تاريخيةً فارقة، حين أصدر محمد علي باشا مرسومه بإنشاء أول صحيفة رسمية مصرية خالصة باسم “الوقائع المصرية”، وهو الميلاد الحقيقي للصحافة المصرية ٠
غير أن الحملة الفرنسية عام 1798 كانت قد أحضرت معها أول مطبعة ذات حروف عربية وأصدرت صحيفة “الحوادث اليومية”، بذوراً أوليةً سبقت الوقائع بعقود. ثم عرفت الصحافة المصرية عهدها الذهبي حين تولى الشيخ محمد عبده تحرير الوقائع بين 1880 و1881، فوضع لها نظاماً حديثاً وقصر لغتها على العربية وحدها، فزخرت بالمقالات الاجتماعية والفلسفية وشاركت بقوة في حركة الإصلاح الصاعدة.

سادساً: أدلة وجود الصحافة في مصر القديمة
قبل أن يُعرف العالم الصحافةَ بمفهومها الحديث، كانت مصر القديمة قد اخترعت أدواتها. يعود تاريخ ورق البردي إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وقد اكتُشف في وادي الجرف على ساحل البحر الأحمر أقدم وثيقة بردية مكتوبة في التاريخ وهي “يوميات ميرير”، وتصف تلك اللفائف السنوات الأخيرة من بناء هرم خوفو حوالي 2560 قبل الميلاد. وهذا بالضبط جوهر الصحافة توثيق الحدث لحظة وقوعه.
كان الكتبة في مصر القديمة يصيغون الرسائل والوثائق التجارية والقانونية لأفراد الشعب، فضلاً عن تسجيل القصص والحكايات والأشعار على البردي.
واستخدم المصريون القدماء الأوستراكا، شظايا الفخار والحجر الجيري، لتدوين المراسلات اليومية والشكاوى في ما يشبه تقارير الشارع. والآثار المصرية من أهرام ومعابد ومقابر ومسلات بما تحويه من نقوش وكتابات، إلى جانب أوراق البردي، هي المصادر الأولى التي وثّقت تاريخ مصر القديمة بتفاصيل دقيقة لا مثيل لها.
في كل ثالث من مايو، حين يلتفت العالم نحو يوم الصحافة الحرة، تستحضر مصر مشهداً مزدوجاً فريداً: شعب اخترع الكتابة وورق البردي قبل خمسة آلاف عام، ويرزح اليوم صحفيوه تحت وطأة القيود. بين يوميات ميرير على البردي وبين ميادة أشرف التي سقطت في عين شمس، يمتد خيط واحد: الإنسان يريد أن يعرف ويُعرِّف. الصحافة ليست مهنة فحسب، إنها غريزة الحضارة، وكل صحفي سقط في مصر أو في العالم إنما مات وهو يحرس حق البشرية في معرفة الحقيقة.


