بقلم /مني فارس
لما الفن بيتكلم بنفس لغة العلم
كتير من الناس بتفكر إن الفن والعلم عالمان منفصلان تماماً، لكن لو تأملنا لحظة، هنلاقي إن الاتنين نبعوا من نفس المنبع، وهو الرغبة الإنسانية في فهم العالم والتعبير عنه. ومش مصادفة إن القرن العشرين شهد ثورتين متوازيتين، واحدة في عالم الفيزياء والرياضيات، وتانية في عالم الفن التشكيلي، لأن الأسباب العميقة اللي دفعت العلماء لتغيير نظرتهم للكون هي نفسها اللي دفعت الفنانين لتكسير قواعد الأكاديميات القديمة.
الفن مش معادلة رياضية.. وده نقطة قوته
الفرق الجوهري بين الفن والعلم إن العلم بيوصل لنتيجة واحدة ثابتة، مهما اختلف العلماء أو تغيرت الأزمنة، لكن الفن بيعيش في منطقة تانية خالص. لو رسامين اتنين جلسوا أمام نفس المشهد، مثلاً مشهد الحرب والدمار، كل واحد فيهم هيخرج بلوحة مختلفة تماماً عن التاني، لأن الفن في النهاية هو انعكاس مباشر للروح والتجربة الشخصية.
وده بالضبط اللي بيخليه أقوى من أي معادلة، لأنه بيقدر يوريك الحقيقة من زوايا ما كنتش تتخيلها.
النقد الفني.. ضرورة ولا قيد؟
هنا بقى بنيجي لنقطة حساسة. الفنان حين يرفض دور النقاد ويحاول فرض عمله على الجمهور مباشرة بدون وسيط، بيقع في تناقض غريب، لأن الفن في جوهره حوار مش مونولوج. والجمهور مش ملزم بقبول أي إبداع لمجرد إن صاحبه مقتنع بيه.
برأيي الشخصي، النقد الجيد مش عدو للفنان لكنه مرآة بتساعده يشوف نفسه بعيون تانية. المشكلة مش في وجود النقاد، المشكلة في لما النقد يتحول لسلطة جامدة بتحكم على الأعمال بمعايير قديمة بايخة.
ثورتان في قلب القرن العشرين
شهد القرن العشرين نوعين مختلفين من الحركات الفنية، وفهم الفرق بينهم مهم جداً:
الأولى: ثورة التمرد والرفض، اللي كان هدفها الأساسي كسر القواعد القديمة لمجرد الكسر، زي حركة الدادا اللي ظهرت في زيوريخ عام 1916 وسط أحداث الحرب العالمية الأولى، كأن الفنانين قالوا: “العالم بيحترق، خلينا نحرق معاه كل القواعد”.
الثانية: ثورة الاكتشاف الحقيقي، وهي اللي خلّفت مدارس فنية راسخة زي التأثيرية والسريالية والتعبيرية، حركات ماكانتش بتكسر عشان تكسر، لكن عندها رؤية وفلسفة واضحة
الوحشية.. أول صرخة في وجه الأكاديميا
أول ثورة تشكيلية حقيقية في القرن العشرين كانت ما عُرف بـالوحشية، وجاءت التسمية دي من الناقد الفرنسي فوكسل عام 1906، لما شاف مجموعة من الفنانين في صالون باريس بيعرضوا أعمالاً صادمة بألوانها الصارخة وجرأتها الشكلية.
اللافت للنظر إن هؤلاء الفنانين ماكانوش متحالفين بناءً على بيان أو نظرية مشتركة، لكن جمعتهم رغبة واحدة وهي التمرد على التقاليد الجامدة والتعبير عن المشاعر بشكل مباشر وخام. وكان من أبرزهم ماتيس وديران وفلامنك، متأثرين بعمالقة سبقوهم زي فان جوخ.
وبرأيي الشخصي، “الوحشية” كانت أكثر من مجرد تمرد، كانت إعلاناً صريحاً بأن الفن مش مهمته إرضاء الأذواق الراقية، لكن مهمته الأساسية إنه يصل لقلبك ويزعزع راحتك.
خلاصة الكلام
الفن التشكيلي في القرن العشرين ماكانش مجرد موضة أو عبث، كان تعبيراً صادقاً عن عالم بيتغير بسرعة مرعبة، وفنانين رفضوا يفضلوا تابعين لقواعد ما أُنشئت إلا لتكريس سلطة القديم. والدرس اللي نتعلمه من كل ده إن الإبداع الحقيقي دايماً بييجي من جوه، مش من كتب القواعد.


