بقلم/ نور جمال
في مثل هذا اليوم، الرابع عشر من مايو عام ١٩٥٥، رحل عن عالمنا في مدينة ستوكهولم السويدية الفنان المصري أنور وجدي، بعيداً عن بلده وجمهوره الذي أحبه. رحل في قمة عطائه الفني، وهو لم يتجاوز الحادية والخمسين من عمره، تاركاً خلفه إرثاً سينمائياً لا يُنسى، وقصة حياة أشبه بأفلامه في تقلباتها وعواطفها ودراميتها.من حلب إلى شارع عماد الدينوُلد أنور وجدي في الحادي عشر من أكتوبر ١٩٠٤، واسمه الحقيقي محمد أنور يحيى الفتال،. نشأ في حي الوايلي وتلقّى تعليمه في مدرسة الفيرير الفرنسية حيث أتقن الفرنسية، وهي لغة ستخدمه لاحقاً في رحلة علاجه الأخيرة.
أما اسم “وجدي” فاختاره لنفسه حين كان مبتدئاً يشقّ طريقه إلى الفن، تقرباً من قاسم وجدي ريجيسير الكومبارس الذي كان يملك مفاتيح الوصول إلى عالم المسرح. ومن باب الذكاء الاجتماعي الذي ميّزه طوال حياته، نجح في الالتحاق بفرقة رمسيس المسرحية الشهيرة ليوسف وهبي، وكان أجره ثلاثة جنيهات في الشهر، لا يكفيه إلا لمشاركة زميله الفنان عبد السلام النابلسي في أجرة غرفة صغيرة فوق أسطح القاهرة.عمل في البداية سكرتيراً خاصاً لوهبي ومُسلِّماً للأوردرات، قبل أن ينال أول أدواره، ضابطاً رومانياً صامتاً في مسرحية “يوليوس قيصر”، ثم تدرّج حتى نال أدوار البطولة في الفرقة القومية. وكتب لفرقة بديعة مصابني مسرحيات ذات فصل واحد، وعمل في الإذاعة مؤلفاً ومخرجاً، وكان يكتب قصصاً في المجلات مقابل جنيهات قليلة.نجم الأربعينيات الأولانتقل أنور وجدي إلى السينما بوساطة يوسف وهبي، فبدأ بأدوار ثانوية في أفلام مثل “أولاد الذوات” عام ١٩٣٢، قبل أن يرشحه المنتج أحمد سالم لبطولة “أجنحة الصحراء” عام ١٩٣٨. وفي عام ١٩٣٩ قدّم أربعة أفلام دفعة واحدة، كان أبرزها “العزيمة” من إخراج كمال سليم، الكلاسيكية السينمائية الخالدة.أدرك أنور بذكاء نادر أن جمهور الأربعينيات يعشق الغناء والاستعراض، فصنع عالماً سينمائياً يجمع بين الدراما والموسيقى والديكورات الضخمة والملابس البهية.
ظاهرة استثنائية نادراً ما تتكرر، إذ كان يكتب أفلامه ويخرجها وينتجها ويبطلها في آنٍ واحد، وأكثر من ذلك أنه اكتشف وأطلق مواهب غيرت وجه السينما المصرية؛ فهو من قدّم الطفلة فيروز في ثلاثة أفلام هي “ياسمين” و”فيروز هانم” و”دهب”، وهو من دفع إلهام حسين نحو التمثيل ومن قدّم ليلى مراد على النحو الذي صنع أشهر ثنائي في تاريخ السينما المصرية.
وليُكمل سجلّه الاستثنائي، فهو الممثل الوحيد في تاريخ الفن العربي الذي أدّى أدواراً أمام ثلاث عظيمات الغناء في آنٍ واحد: أم كلثوم، وأسمهان، وليلى مراد.من أبرز أعماله: “ليلى بنت الفقراء” و”قلبي دليلي” و”عنبر” و”غزل البنات” الذي يُعدّ من أكثر الأفلام المصرية رسوخاً في الذاكرة الجماعية، إذ جمع أنور مع ليلى مراد ونجيب الريحاني في تلك المعجزة الكوميدية الغنائية التي تجاوزت الزمن. وأيضاً “حبيب الروح” و”بنت الأكابر” و”طلاق سعاد هانم” و”أربع بنات وضابط” و”قطر الندى”.

اختار نقاد مهرجان الإسكندرية السينمائي عام ٢٠٢٣ سبعة أفلام من إخراجه ضمن قائمة أفضل مئة فيلم غنائي مصري.ثلاث زيجات وقصة واحدة كبيرةتزوج أنور وجدي ثلاث مرات، ولم يُرزق بأطفال من أيٍّ منهن. زواجه الأول كان من الفنانة إلهام حسين، التي أدخلها هو إلى عالم التمثيل وتنبّأ لها بمستقبل باهر. غير أن إلهام لمّا صعد نجمها رفضت الاشتراك معه في أحد الأفلام بحجة أنه لم يكن يومها نجماً كافياً، فتصاعدت الخلافات وانتهى الزواج بعد ستة أشهر.أما الزيجة الثانية فكانت الأشهر والأكثر إثارةً، وكانت مع ليلى مراد. أعلن وجدي عقد القران بطريقة بالغة الذكاء الدعائي: دعا الصحفيين لحضور تصوير المشهد الأخير من فيلم “ليلى بنت الفقراء” عام ١٩٤٥، فإذا بمشهد الزفاف على الشاشة يكشف عن زفاف حقيقي عُقد بالفعل في محكمة مصر الابتدائية الشرعية. وكانت ليلى مراد يومها أشهر منه وأعلى سعراً في سوق النجوم.استمر زواجهما نحو ثماني سنوات صنعا فيها معاً أجمل أعمالهما، لكنّ الحياة المشتركة كانت جحيماً بصمت. تقول ليلى في شهاداتها إنها تحمّلت كثيراً من المعاملة السيئة مراعاةً لحالته المرضية. أما هو فقال يوماً إن أكبر غلطة ارتكبها في حياته أنه تزوج من نجمة تعتقد أنها أشهر منه. وكان الطلاق أحياناً يصدر في لحظات غضب عابر، وتروي القصص إن ليلى استيقظت ذات ليلة على صراخه في المطبخ لافتقاد توابل الطعام، فطلّقها وهو في حمأة الغضب. طالت الخلافات حتى أفضت إلى انفصال فني وزوجي كامل عام ١٩٥٣.وفي خضمّ الأزمة، راجت شائعات تتهم ليلى مراد بالتبرع لإسرائيل والتشكيك في إسلامها، وأشار بعضهم إلى أن أنور من سرّب هذه الشائعة انتقاماً لمرارة الطلاق. غير أن وجدي نشر بياناً صريحاً في الصحف قال فيه: “ليلى مراد مسلمة عربية صميمة يحبها كل العرب، والاختلافات الدينية أو السياسية لم تلعب أي دور في طلاقنا”، وبرّأها بالكامل أمام الرأي العام.

الحب الحقيقي والنهاية الحزينة كانت ليلى فوزي حبّه الحقيقي منذ عام ١٩٤١، لكن والدها رفض تزويجها منه خوفاً من سمعته العاطفية. مرّت السنوات وزوّجها والدها من الفنان عزيز عثمان الذي يكبرها بثلاثين عاماً. ولمّا افترق كلٌّ منهما عن شريكه، جمعهما القدر مجدداً، فتزوّجا في القنصلية المصرية في باريس في سبتمبر ١٩٥٤، وحضر الزفاف فريد الأطرش وعدد من مبعوثي السفارة.كان الزواج قد جاء في ظل تراجع مؤلم في صحة أنور وجدي، الذي كان يعاني من مرض الكلى متعدد الكيسات، وهو داء وراثي قضى على أفراد من أسرته قبله. سافر إلى باريس لتلقي العلاج، وتبعته ليلى فوزي وتزوّجا هناك. قضيا أربعة أشهر من شهر العسل في إيطاليا وفرنسا وإنجلترا، قبل أن ينتقلا إلى السويد بحثاً عن علاج أجدى. وفي ستوكهولم، لفظ أنور وجدي أنفاسه الأخيرة في الرابع عشر من مايو ١٩٥٥، ولم يكن في الكنف الذي أحبه.وتروي بعض الروايات المؤلمة أن جثمانه لمّا وصل إلى مصر، نُسي في مطار القاهرة ساعات قبل أن يتذكره أهله ويحضروا لاستقباله. كما يُحكى أن أهله أساؤوا معاملة زوجته ليلى فوزي في أيام الحداد.رحل أنور وجدي بلا أطفال يرثون اسمه، لكنه ترك من الأعمال ما يكفي ليبقى حياً في كل مرة يُعاد فيها عرض “غزل البنات” أو “قلبي دليلي”. كان يقول: “الجمهور هو الحكم الحقيقي على أي فنان” وجمهوره لم ينسه حتى اليوم.


