/

V for Vendetta: الأفكار أقوى من الرصاص، بس هل الغاية تبرر الوسيلة؟

جاسيكا عزت تقرأ V for Vendetta من جاي فوكس إلى إيفي: الصدمة والقناع والعنف وسؤال الغاية والوسيلة، قبل ذكرى 5 نوفمبر.

| FRAME NEWS

الصورة الافتتاحية لتقرير V for Vendetta بقلم جاسيكا عزت

V for Vendetta وجاي فوكس: ليه اتحول رجل فشل في ثورته لرمز عالمي؟

بقلم/ جاسيكا عزت

كل سنة في 5 نوفمبر، بريطانيا بتولّع النيران وتطلّع الألعاب النارية في احتفال "ليلة جاي فوكس". والسنة دي التاريخ ده على بعد أيام، والذكرى الـ421 لمؤامرة البارود اللي حاولت تفجّر البرلمان الإنجليزي سنة 1605.

وفي نفس التاريخ، من حوالي 20 سنة، فيلم V for Vendetta خلّى القناع اللي بيمثل الحدث ده رمز عالمي. الفيلم من إخراج جيمس ماكتيج وكتابة الأخوين واتشوسكي، وبطولة هيوغو ويفينغ ونتالي بورتمان، ومأخوذ عن رواية مصورة لـ آلان مور وديفيد لويد. وفي الفيلم، 5 نوفمبر مش تفصيلة في الخلفية، هو الموعد اللي V بيحدده لنهاية النظام كله.

في المقال ده بنفهم ليه التاريخ ده مهم للفيلم، وبنقرأ شخصية V نفسياً وفلسفياً: من الصدمة اللي صنعته، لحد قراره الأخير.

5 نوفمبر 1605: مين هو جاي فوكس؟

رسم تاريخي عن جاي فوكس ومؤامرة البارود

في 5 نوفمبر 1605، اتقبض على جاي فوكس وهو بيحرس براميل بارود تحت مبنى البرلمان الإنجليزي، في مؤامرة كانت بتستهدف الملك جيمس الأول. المؤامرة فشلت، وفوكس اتعدم.

من وقتها، بريطانيا بتحتفل بإنقاذ الملك بالنيران والألعاب النارية، وزمان كانوا بيحرقوا دمية لفوكس نفسه. يعني الراجل اللي حاول يقلب النظام اتحول لعقود طويلة لرمز "الخائن" اللي بيتحرق كل سنة.

والرواية المصورة قلبت المعنى ده. بدل ما فوكس يبقى خائن بيتحرق، بقى رمز لفكرة إن حد يقف في وش السلطة، حتى لو فشل. ومن هنا جه اختيار V لقناعه.

الصدمة اللي صنعت V

الفيلم مبني على فكرة نفسية قبل ما يكون سياسي. الإنسان لما بيتعرض لصدمة قاسية بحجم اللي اتعرض لها V في معتقل لارك هيل، مش بيرجع نفسه تاني. بيتولد كيان جديد اتبنى على الألم.

القناع مش مجرد اختيار جمالي. هو تجسيد لفكرة الانفصال عن الهوية بعد الصدمة (Dissociation).

V ملوش اسم ولا وش ولا ماضي يقدمه لحد، لأن الشخص اللي كان قبل التعذيب مات هناك. اللي خرج من الحريق حد تاني خالص. وهنا بتبقى الدلالة أعمق: زي ما فوكس اتحول من رجل لرمز، V كمان اتحول من إنسان لفكرة.

ليه V حب إيفي؟

مشهد من فيلم V for Vendetta مع شخصية إيفي

العلاقة بين V وإيفي مش قصة حب تقليدية، وده اللي بيخليها معقدة. V شاف في إيفي نسخة منه: إنسانة عايشة تحت الخوف، وبتكذب على نفسها عشان تكمل، ومحتاجة حد يكسر الخوف ده.

من وجهة نظر التحليل النفسي، ممكن نقرأ حبه ليها على إنه قريب من الاختيار النرجسي للموضوع (Narcissistic Object Choice): إنك تحب في التاني حاجة بتعكس جزء منك. ده مش معناه إن مشاعره مزيفة. هي حقيقية، بس مبنية على التماهي أكتر من إنها مبنية على الاعتراف بإيفي كشخص مستقل.

ليه ماوقفش التفجير و نزل عند رغبة إيفي؟

لقطة من فيلم V for Vendetta

لو V اتنازل عن خطته عشان يعيش مع إيفي، كان هيفشل زي فوكس بالظبط، بس بطريقة تانية: مش بالقبض عليه، لكن بإنه يخون الفكرة اللي بناها.

القصة كانت هتتحول من أسطورة لحكاية حب عادية، وكان هيهدم مبدأه إن الأفكار أقوى من الأفراد، وإنه رمز قابل للاستبدال مش مجرد إنسان. جملته الشهيرة "Beneath this mask there is an idea, and ideas are bulletproof" (تحت القناع فكرة، والأفكار ضد الرصاص) معناها إن V لازم يموت عشان الفكرة تعيش. وده اللي بيدي نهايته طابع التراجيديا الإغريقية: بطل بيدفع حياته ثمن التزامه بحاجة أكبر منه.

ولو ركزت، هتلاقي إن الفيلم بيحقق اللي فشل فيه فوكس. التفجير اللي ما حصلش سنة 1605، بيحصل في الفيلم في ليلة 5 نوفمبر.

هل تعذيب إيفي كان له تبرير؟

الإجابة الصريحة: لأ.

مشهد إيفي من فيلم V for Vendetta

V كرر نفس آلية القمع اللي بيحاربها. حبس إيفي، وخوّفها، وحلق شعرها، وخلاها تعيش كذبة كاملة تحت شعار "أنا بحررك". من الزاوية النفسية، ده شبه الإجبار على التكرار (Repetition Compulsion): اللي اتعذب بيميل يعيد نفس النمط على حد تاني، لأنه الأسلوب الوحيد اللي يعرفه لتغيير إنسان.

وتبريره قريب جداً من تبرير أي نظام قمعي: "أنا بعذبك لمصلحتك". الفرق إن النتيجة نجحت مع إيفي، بس نجاح النتيجة مابيبررش الوسيلة. وهنا السؤال الفلسفي الأخطر في الفيلم: هل الغاية تبرر الوسيلة لو الوسيلة نفسها ظلم؟ الفيلم سايب السؤال ده مفتوح عن قصد.

كل الشخصيات لابسة قناع

V مش الوحيد اللابس قناع، هو بس الوحيد اللي قناعه ظاهر:

  • الأسقف ليليمان لابس قناع التقوى عشان يغطي فساده.
  • ساتلر لابس قناع الأمن القومي عشان يخفي إن النظام هو اللي دبّر الهجوم اللي وصّله للحكم.
  • إيفي نفسها كانت لابسة قناع الطاعة عشان تعيش بأمان.

وده قريب من فكرة كارل يونج عن الـPersona: القناع الاجتماعي اللي بنلبسه عشان المجتمع يتقبلنا. المشكلة لما نلبسه كتير لحد ما ننسى وشنا الحقيقي. الفرق إن V عارف إنه لابس قناع واختاره كرمز، أما السياسيين فلابسين أقنعتهم من غير ما يعترفوا بيها.

المفتش فينش: صوت المشاهد العادي

المفتش فينش في فيلم V for Vendetta

في وسط الصراع ده، فيه شخصية بتتغير بهدوء: المفتش إريك فينش، اللي بيلعبه ستيفن ري. هو مكلف بملاحقة V، وبيبدأ كموظف مخلص للنظام. لكن كل ما يتعمق في التحقيق، بيكتشف إن النظام اللي بيخدمه مبني على الكذب والجريمة.

فينش هو المشاهد العادي جوه الفيلم: واحد مش ثوري ولا متطرف، بس ضميره بيصحى مع الأدلة. ولما بيقف في النهاية ويسيب V يكمل، الفيلم بيقول إن التغيير مش بيجي من المقنعين بس، لكن كمان من الناس اللي جوه المنظومة ورفضت تكمل فيها.

العبارة اللاتينية: "Vi Veri Veniversum Vivus Vici"

العبارة اللي V بيقولها معناها: "بقوة الحقيقة، وأنا على قيد الحياة، انتصرت على الكون". الفيلم بينسبها لـ فاوست، لكنها مش موجودة في مسرحية مارلو ولا في عمل جوته. أصلها شعار شخصي للمتصوف البريطاني أليستر كراولي.

فلسفياً، العبارة بتلخص فكرة V: الحقيقة نفسها سلاح، والانتصار الحقيقي إنك تحقق الحق وإنت لسه عايش.

"خلقوا وحشاً": العنف بيولّد نفسه

لما عذب النظام V في المعتقل، كان فاكر إنه بيتخلص من حاجة خطرة. اللي حصل إنه صنع العدو اللي هيدمره بعد كده.

وده قريب من كلمة نيتشه: "من يقاتل الوحوش عليه أن يحذر أن يصير وحشاً، وإن حدّقت طويلاً في الهاوية فإن الهاوية تحدّق فيك". رجال النظام كانوا شايفين نفسهم رمز العقل والنظام، لكن وحشيتهم هي اللي ولّدت الوحش اللي قضى عليهم.

الفن والكذب

في مشهد مهم، V بيقول لإيفي إن أبوها كان عنده حق لما قال إن الفنانين بيستخدموا الأكاذيب عشان يقولوا الحقيقة.

V كذب على إيفي فعلاً، خلاها تفتكر إنها في سجن حكومي. لكن الكذبة دي كشفت لها حقيقة عن نفسها ماكانتش تعرفها. أحياناً الإنسان بيوصل لحقيقة داخلية من خلال تجربة قاسية، حتى لو مصطنعة. ده مش تبرير أخلاقي، لكن ده اللي بيخلي الفيلم رمادي مش أبيض وأسود.

الفيلم والرواية المصورة: إيه اللي اتغير؟

الرواية المصورة نزلت أول مرة سنة 1982 في مجلة Warrior البريطانية، واتكمّلت سنة 1989. آلان مور كتبها وهو خايف من إن بريطانيا في عهد تاتشر تتحول لدولة قمعية. أما الفيلم فبيقرأه كتير من النقاد كأنه أقرب لانتقاد سياسات إدارة بوش.

الفرق مش في السياق بس. الرواية بتتكلم صراحة عن الصراع بين الفاشية والفوضوية (Anarchism)، والفيلم بيبسّط الصراع ده لمواجهة بين الحرية والاستبداد. وآلان مور نفسه كان رافض الفيلم بشدة، لدرجة إنه شال اسمه من العمل، وبيتكتب في التترات "مأخوذ عن رواية مصورة رسمها ديفيد لويد".

قناع جاي فوكس: من الشاشة للشارع

القناع اللي بيلبسه V هو تصميم الرسام ديفيد لويد، مستوحى من وش جاي فوكس. وفي بريطانيا كانت أقنعة شبيهة بيه بتتباع زمان في المحلات استعداداً لليلة 5 نوفمبر.

بعد الفيلم، القناع خرج من الشاشة للواقع. في 2008 بدأت مجموعة أنونيموس الهاكرز تستخدمه كرمز لها، وبعدها ظهر في احتجاجات "احتلوا وول ستريت" وفي مظاهرات كتير حوالين العالم. ولويد نفسه كان راضي عن الاستخدام ده، وقال في لقاءات صحفية إن اهتمام الناس بالرواية زاد جداً بعد الفيلم.

اللي بيخلي القناع قوي إنه من غير ملامح: أي حد يلبسه بيبقى V، وبيبقى مجرد فكرة مش شخص. وده بالظبط اللي V كان عايز يقوله. رجل فشل في ثورته من 400 سنة، بقى وشه هو وش كل حد بيرفض الظلم.

الخلاصة

V مش بطل ولا شرير . هو ضحية تحولت لجلاد، وصاحب فكرة صادقة بيتعامل معاها بوسائل مشكوك فيها. وفي كل 5 نوفمبر، لما الناس بتفتكر جاي فوكس، بتفتكر كمان السؤال اللي سابه الفيلم: هل بنفتكر الراجل ولا الفكرة؟

اقرأ أيضًا