بقلم/ جاسيكا عزت
لم تكن الساعة السابعة من صباح الحادي والعشرين من مايو/أيار جولة روتينية لرجال الدرك التركي؛ بل كانت ساعة الصفر لإقلاع غطاء “المدينة الفاضلة” عن مجتمع المخمل والأضواء في تركيا. بناءً على أوامر صارمة من النيابة العامة في “باكيركوي”، تحركت المداهمات المتزامنة كأحجار الدومينو، مخترقةً الحصون الجغرافية للأرستقراطية التركية وسهرات المجتمع المخملي: من ضفاف البوسفور في “بشكتاش” و”ساريير”، إلى صخب “بي أوغلو” وأزقة “أوسكودار” العتيقة، وصولاً إلى الفلل الفارهة في ولاية “موغلا” الساحلية.
الملف الأخطر، الذي طُبخ على نار استخباراتية هادئة، أسفر عن صدور قرارات توقيف وتفتيش وفحوصات بيولوجية بحق 25 شخصية من الصف الأول في عالم الفن، والموسيقى، والإعلام. القضية تتجاوز مجرد “تعاطٍ فردي”؛ إذ يربطها الادعاء العام بشبكات تسهيل، وتوفير ملاذات آمنة، وضبطيات كوكايين ضخمة كانت موجهة للبلاد عبر البحر. إنه تفكيك ممنهج لما تعتقد السلطات أنه “بنية تحتية” تروج لثقافة الاستهلاك المحظور تحت بريق النجومية.
القائمة التي تداولتها الأوساط القضائية لم تكن عادية؛ لقد كانت حرفياً لائحة الشرف لأعلى المسلسلات تقييماً وأكثرها مبيعاً حول العالم. في عمق هذا التحقيق، تبرز أسماء غيرت وجه الدراما التركية الحديثة، ومنهم:
سيريناي ساريكايا (Serenay Sarıkaya):
النجمة الأبرز والاسم الأكثر دوياً في هذه القائمة. سيريناي، التي تتواجد حالياً خارج الحدود التركية، تركت وراءها ملايين المعجبين المصدومين.
هي بطلة المسلسل الشهير “مد جزر” (Medcezir) الذي حقق نجاحاً ساحقاً، واكتسحت الشاشات مؤخراً بمسلسليها “شاهماران” (Şahmaran) عبر المنصات العالمية، والدراما النفسية والاجتماعية المعقدة في مسلسل “العائلة” (Aile) رفقة كيفانش تاتليتوغ.

أونور تونا (Onur Tuna):
صاحب الحضور الكاريزمي القوي، والذي ارتبطت صورته في أذهان الجماهير العربية والعالمية بدور الطبيب الجراح الحازم “فورمان” في مسلسل “الطبيب المعجزة” (Mucize Doktor)، بالإضافة إلى بطولته المطلقة في مسلسل الإثارة والجريمة “السجين” (Mahkum)، ومسلسل “التفاح الحرام” (Yasak Elma).
وجود اسمه في تحقيقات المخدرات شكّل صدمة لجمهوره الذي اعتاد عليه في أدوار الانضباط والعدالة.

فايزة جيفيليك (Feyza Civelek):
التي تعيش ذروة نجاحها الفني حالياً عبر مشاركتها في واحد من أكثر المسلسلات إثارة للجدل وتحقيقاً لنسب المشاهدة في السنوات الأخيرة، وهو مسلسل “شراب التوت” (Kızılcık Şerbeti)، إلى جانب ظهورها السابق في المسلسل الشهير “سميتها فريحة” (Adını Feriha Koydum).

مابيل ماتيز (Mabel Matiz):
واحد من أهم وأجرأ صناع الموسيقى البديلة والبوب في تركيا، وصاحب الأغاني المليونية التي تصاحب عادةً الخلفيات الموسيقية للمسلسلات التركية الكبرى.
بالإضافة إلى هؤلاء، شملت القائمة نجم الراب الصاعد عالمياً “بلوك 3” (Blok 3) – هاكان أيدين، والمطرب بركاي شاهين، والإعلامي البارز ميرغون جاباس، والمنتجة ياغمور أونال، مما يعكس شمولية القبضة الأمنية وتغلغلها في كافة مفاصل النخبة الإبداعية.
تأتي هذه الخطوة من مدعي عام “باكيركوي” لتضع الدولة التركية في مواجهة مباشرة مع أقوى أدوات قوتها الناعمة؛ فالدراما التركية لم تعد مجرد ترفيه محلي، بل هي صناعة تصديرية بمليارات الدولارات وصانعة للصورة الذهنية للبلاد.
البيان الصادر عن النيابة العامة حمل نبرة سياسية واجتماعية حاسمة:
“التحقيقات لا تستهدف النجومية في حد ذاتها، بل تكافح وباءً يهدد الصحة والسلامة العامة. لا أحد فوق القانون، وسواء كان المتهم تاجراً، أو متعاطياً، أو مسهلاً يوفر البيئة الحاضنة، فإن العدالة ستأخذ مجراها بناءً على الأدلة المادية والفحوصات البيولوجية.”
حتى اللحظة، تم توقيف 16 شخصاً ممن ضبطوا في عناوينهم، فيما تم العثور على كميات من المواد المشتبه بها وأدوات التعاطي في بعض المنازل المداهمة. وتحتفظ السلطات بقرائن التحقيق في سرية تامة، بينما يبقى المتهمون في دائرة الاشتباه القانوني حتى تثبت إدانتهم. لكن في محكمة الرأي العام العالمية والمحلية، فإن الستار قد رُفع بالفعل عن كواليس مظلمة، تاركاً قطاع الفن التركي أمام شتاء طويل من إعادة الحسابات والمساءلة.

